أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

583

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

له لفظا وجبت إضافته نحو : ثالث ثلاثة وثاني اثنين ، وتقدّم خلاف ثعلب ، ويجوز أن يبنى أيضا من أحد عشر إلى تسعة عشر فيقال : حادي عشر وثالث عشر ، ويجوز أن يستعمل مفردا كما ذكرته لك ، ويجوز أن يستعمل مجامعا لغيره ولا يكون إلا موافقا ، فيقال : حادي عشر أحد عشر ، وثالث عشر ثلاثة عشر ، ولا يقال : ثالث عشر اثني عشر ، وإن كان بعضهم خالف ، وحكم المؤنث كحكمه في الصفات الصريحة فيقال : ثالثة ورابعة ، وحادية عشرة ، وثالثة عشرة ثلاث عشرة ، وله أحكام كثيرة استوفيتها في « شرح التسهيل » . قوله : وَما مِنْ إِلهٍ « مِنْ » زائدة في المبتدأ لوجود الشرطين ، وهما كون الكلام غير إيجاب ، وتنكير ما جرّته ، و « إِلهٍ » بدل من محل « إِلهٍ » المجرور ب « مِنْ » الاستغراقية ، لأن محلّه رفع كما تقدم ، والتقدير : وما إله في الوجود إلا إله متصف بالوحدانية . قال الزمخشري : « مِنْ » في قوله : « مِنْ إِلهٍ » للاستغراق ، وهي المقدرة مع « لا » التي لنفي الجنس في قولك : « لا إله إلا اللّه » والمعنى : وما من إله قط في الوجود إلا إله متصف بالوحدانية وهو اللّه تعالى » . فقد تحصّل من هذا أن « مِنْ إِلهٍ » مبتدأ وخبره محذوف ، و « إِلَّا إِلهٌ » بدل على المحل . قال مكي : « ويجوز في الكلام النصب : « إلا إلها » على الاستثناء » . قال أبو البقاء : « ولو قرىء بالجرّ بدلا من لفظ « إِلهٍ » لكان جائزا في العربية » قلت : ليس كما قال ، لأنه يلزم زيادة « مِنْ » في الواجب ، لأن النفي انتقض ب « إِلَّا » ، لو قلت : « ما قام إلا من رجل » لم يجز فكذا هذا ، وإنما يجوز ذلك على رأي الكوفيين والأخفش ، فإنّ الكوفيين يشترطون تنكير مجرورها فقط ، والأخفش لا يشترط شيئا . قال مكي : « واختار الكسائي الخفض على البدل من لفظ « إِلهٍ » وهو بعيد لأنّ « مِنْ » لا تزاد في الواجب » . قلت : ولو ذهب ذاهب إلى أنّ قوله « إِلَّا إِلهٌ » خبر المبتدأ ، وتكون المسألة من الاستثناء المفرغ ، كأنه قيل : ما إله إلا إله متصف بالواحد لما ظهر له منع ، لكني لم أرهم قالوه ، وفيه مجال للنظر . قوله : لَيَمَسَّنَّ جواب قسم محذوف ، وجواب الشرط محذوف لدلالة هذا عليه ، والتقدير : واللّه إن لم ينتهوا ليمسّنّ ، وجاء هذا على القاعدة التي قرّرتها : وهو أنه إذا جتمع شرط وقسم أجيب سابقهما ما لم يسبقهما ذو خبر ، وقد يجاب الشرط مطلقا ، وقد تقدّم أيضا أن فعل الشرط حينئذ لا يكون إلا ماضيا لفظا ، أو معنى لا لفظا كهذه الآية ، فإن قيل : السابق هنا الشرط ، إذ القسم مقدر فيكون تقديره متأخرا فالجواب أنه لو قصد تأخّر القسم في التقدير لأجيب الشرط ، فلمّا أجيب القسم علم أنه مقدّر التقديم ، وعبّر بعضهم عن هذا فقال : « لام التوطئة للقسم قد تحذف ويراعى حكمها كهذه الآية ، إذ التقدير : « ولئن لم » كما صرّح بهذا في غير موضع كقوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ « 1 » ، ونظير هذه الآية قوله : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ « 2 » إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ « 3 » ، وتقدّم أنّ هذا النوع من جواب القسم يجب أن يتلقّى باللام وإحدى النونين عند البصريين ، إلّا ما قدّمت لك استثناءه » . قال الزمخشري : « فإن قلت : فهلّا قيل : ليمسّهم عذاب . قلت في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة ، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر » . وقوله : مِنْهُمْ في محلّ نصب على الحال . قال أبو البقاء : « إمّا من الذين ، وإمّا من ضمير الفاعل في « كَفَرُوا » . قلت : لم يتغير الحكم في المعنى ، لأنّ الضمير الفاعل هو نفس الموصول ، وإنما الخلاف لفظي . وقال الزمخشري : « مِنْ » في قوله : لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ للبيان كالتي في قوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية ( 60 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية ( 23 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية ( 121 ) .